ابن عربي
7
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
[ مقدمة المؤلف ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الحسن الفعال ، الذي يحب الجمال ، خلق العالم في أكمل صورة وزينه ، وأدرج فيه حكمته الغيبية عندما كوّنه ، وأشار إلى موضع السرّ منه وعيّنه ، وفصّل للعارفين مجمله منه وبيّنه ، جعل ما على أرض الأجسام زينة لها ، وأفنى العارفين في مشاهدة تلك الزينة وجدا وولها ، وصلى اللّه على المتجلي إليه في أحسن صورة ، والمبعوث في أكمل شريعة وأحسن سيرة ، محمد بن عبد اللّه المكلم بالمقام العلي ، والمخصوص بالكمال الكلي والتنزيل الوفي ، وعلى آله وصحبه وسلم . [ قدومه مكة ] أما بعد ، فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء ، وعصابة من الأكابر الأدباء والصلحاء بين رجال ونساء ، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه ، مشغوفا فيما بين يومه وأمسه ، مثل الشيخ العالم الإمام ، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، [ صلته بالشيخ مكين الدين زاهر بن رستم ] نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين ، أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه اللّه تعالى ، وأخته المسنة العالمة شيخة الحجاز « 1 » فخر النساء بنت رستم . فأما الشيخ فسمعنا عليه كتاب أبي عيسى الترمذي « 2 » في الحديث وكثيرا من الأجزاء ، في جماعة من الفضلاء ، كان يغلب عليهم الأدب فكأن جليسه في بستان ، وكان رحمه اللّه تعالى ظريف المحاورة ، لطيف المؤانسة ، ظريف المجالسة ، يمتع الجليس ، ويؤانس الأنيس ، وكان له رضي اللّه عنه من أمره شأن يغنيه ، فلا يتكلم إلا فيما يعنيه ، وأما فخر النساء أخته ، بل فخر الرجال والعلماء فبعثت إليها ، لأسمع عليها ، وذلك لعلوّ روايتها ، فقالت : فني الأمل ، واقترب الأجل ، وشغلني عما تطلبه مني من الرواية الحثّ على العمل ، فكأني بالموت قد هجم ، فأقرع سنّ الندم ، فعندما بلغني كلامها كتبت إليها أقول شعرا : حالي وحالك في الرواية واحده * ما القصد إلا العلم واستعماله
--> ( 1 ) الحجاز : بلاد في شبه جزيرة العرب يحدها خليج العقبة شمالا ، والبحر الأحمر غربا ، ونجد شرقا وعسير جنوبا ، وهي تنقسم إلى سلسلة جبال مشرفة على بطائح نجد وساحل تهامة . الرسالة القشيرية ، ص 336 . ( 2 ) هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي البوغي الترمذي ( 290 - 279 ه - 824 - 892 م ) أبو عيسى من أئمة علماء الحديث وحفاظه ، من أهل ترمذ ، تتلمذ للبخاري ، وشاركه في بعض شيوخه ، وقام برحلة إلى خراسان والعراق والحجاز ، وعمي في آخر عمره ، وكان يضرب به المثل في الحفظ . مات بترمذ . من تصانيفه « الجامع الكبير » باسم « صحيح الترمذي » في الحديث ، و « الشمائل النبوية » و « التاريخ » و « العلل » في الحديث . الأعلام 6 / 322 ، 9 / 387 ، وتذكرة 2 / 187 ، ونكت الهيمان 264 ، ووفيات 1 / 484 .